“و أنا أحوّر معاني النخيل والنمل و الصلاة و الصلابة الى ما يُشبهك"
أفاطمٌ ؟
جئتِ ، كأنك تبحثين عن صورةٍ ضائعة
فتشتي المحراب ، تماديتي على صلواتي ، مددتِ يدك لتستخرجي زكاتي
و قلتِي للحارس : أخلع نعليك وتصبّر ..
مجنون يعُد خطواته ، و يعود بعد هطول المطر ،
يكتب قصائدٌ عن كل قطرةٍ عُلقت في فراغات الملح ..
يا سُنبلتي التي تراقص نفسها ، ها أنتي ذا اليوم
مازلتِ السُنبلة ذاتها ، والرقصة تحولت الى عواصف حزنٌ لا تفتأ ان تفارقني
لستُ رياح .. فلماذا أصّر على تمزيق إنسانيتي لأحركك كيفما يشاء الحزن؟
لست لوحة و لست ريشة الرسام
لماذا تطالبيني بتفصيل الألوان عن جلدي ، و تمزيق دمائي إلى لوحةً تشبه حزنك ؟
ماعدتُ صابرًا ، ولا صامتًا
ولا جالسًا
لقد أستثارني الحزن المؤجل الى الغضب اللحظي الهائل
كيف ألوم الزمن وهو يوهبني دقاته منذ أعوام
فقال لي : لماذا الآن فجأة تُطالبني بتقسيم الوقت كي يبدو لك الزمن واقعيًا
جلست أمامك على الطاولة ، ما قسمت القصيدة
و ما بخلتُ عليك بكأسي ،
ما عددتُ الثواني ، و ما مارستي جنوني على الأرض التي ربّت نخلاتك الثمانية
لم تدركي أنها ثمانية ،منذ أعوام
تنمو امامك ، تُثمر لك بالصيف ، و تظلك شتاءً
ومازلتِ تجهلين أنها ثمانية ،
ثقُب عقلي ، تسربت له أسرار النمل الذي يسير بخط مستقيم
مارجوتُ يومًا النمل أن يسأم من تشتت العاصفة
و لكنه
ثقُب سمعي ، ف تسربتُ بكل هذه العواطف الجامحة
تبحثين عن وهمٍ ،
و تعلمين أني لم أهضم هذا الحزن ، مازال عالقًا في عنقي ، يرجوكِ ماءً
ماءً من نهرك العذب أو وهمك الذي تبحثين عنه
مايبدو اليوم شديد الغموض ، كان يومًا بيننا شديد الوضوح
ولكنّك أُصبتِ بالعمى ، وبقيت انا فيّ تصوراتي بين أن أكمل طريقي بقدميّ وبين أن أقودكِ دون ان تتشابك خطواتنا ونسير معًا أبد الدهر
نحن الذين وعدنا الزمن ، بأننا سنفترق يومًا
يومًا شديد القرب والغرابة
أفاطمٌ ،
لماذا جئتي كأنك ريحٌ عاتية ؟ و غادرتي كطفلة عارية صامتة؟
أفاطمٌ ،
حبكِ أمات الحشى و أبلى العيون الباكية
على ديارك عاتبتُ النخيل الثمانية ،
و طاولت الجبال الراسية
عند بابك بكت اليدين دمًا ، من حرقة العزاء والمعزين ،
كانوا أفواجًا و أبوابًا تتأرجح بين حزن حقيقي وبين إدعاء الحداد
و أنا .. كان الصمت يرسم على شفاه حزني طريقين
و كنت من أجلك قاب قوسين أو ادنى
أفاطمٌ ،
جننتُ بك ،
جننتُ وما على المجنون صلاة ولا زكاة و لا شرهة
فلماذا مازلت تُطالبيني بالقصائد الخادشة ؟
كنت تغزلين شعرك ليتناسب مع شرايين قلبي
ليتك كنتِ تعرفين ان شرايين قلبي تمزقت لتناسب موجات الشعر الأسود الذي يقضمُ وجعي و يعلمني اللغة و أسرار القبائل
يا ندبةٌ تتآكل في معصمي
يا أبتهالي للنجاة من جنون الهوى
كنتي قصيدتيّ الكسولة الكهلة، كيف أصبحتِ مرثية حزنٌ شابة تركض في الحقول لتجعل السماء تلفتُ إليها،
كنتي سنبلةٌ تتراقص مع الريح في وجه الصرامة و الصراحة ، كيف أصبحت تُجاملين الشمس؟ و تخجلين من البوح عن حقيقة أسرارك؟
كنتي حبيبة المعنى حيثُ كنتي تسكبينه في قهوتي ، في لمعاني، في ضد كلماتي وتحليلها ، كنتي المعنى الذي يُطوق حضوري ، كيف أصبحت لا شيء؟ كيف أصبحتِ تخافين المفردات؟ و المراثي و فكرة الموت؟
لم اكن أريد ان أكون نقيضًا لحدادك
كنت أريد أن اكون جزء منه ، جزء من الصورة التي لم تلمسها المعاني
جزء من الحقيقية التي تتبعثر بين شفاهك التي ترتجف
جزء من حزنك الذي يجعلك تعاندين الرياح و تقاومين صرامة الشمس
أشتاق لك ، بقدر ما سحبتُ الهواء لصدري وانا اكتب هذه القصيدة
بقدر ما رجفت يداي و انا أحوّر معاني النخيل والنمل و الصلاة و الصلابة الى ما يُشبهك
أشتاقك ، بقدر ما كنتي تبحثين في حضوري عن ذاكرة ناضجة ، عن ذاكرة واعية ،
عن لحظةٍ تجعلنا في الصورة معًا
أشتاقك ، الى حد أنني تنازلت أن ابحث معك عن الصورة الضائعة
يكفي
أن نكون يا فاطمٌ نسير في هذه المصقلة معًا .


